Physical Address
304 North Cardinal St.
Dorchester Center, MA 02124
Physical Address
304 North Cardinal St.
Dorchester Center, MA 02124
قصص هزّت التاريخ… وما وراء الجريمة — منصة سرد وتحليل للقضايا الكبرى
قصص هزّت التاريخ… وما وراء الجريمة — منصة سرد وتحليل للقضايا الكبرى

منذ عام 2007، وهو العام الذي ظهر فيه أول هاتف آيفون، يشهد العالم انخفاضاً ملحوظاً في معدلات المواليد، وهو اتجاه حيّر الخبراء لسنوات طويلة. وبينما اعتُبرت عوامل مثل الأزمة المالية العالمية، وارتفاع تكا...
منذ عام 2007، وهو العام الذي ظهر فيه أول هاتف آيفون، يشهد العالم انخفاضاً ملحوظاً في معدلات المواليد، وهو اتجاه حيّر الخبراء لسنوات طويلة. وبينما اعتُبرت عوامل مثل الأزمة المالية العالمية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتغير أنماط التعليم والعمل من الأسباب المحتملة، تظهر اليوم فرضية جديدة أكثر إثارة للجدل: الهواتف الذكية نفسها.
إلا أن دراستان أمريكيتان حديثتان، إحداهما نُشرت عبر المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية، والأخرى في مايو الماضي، تطرحان لأول مرة اختباراً أكاديمياً مباشراً للعلاقة بين انتشار الهواتف الذكية وتراجع الخصوبة، في محاولة لفهم أحد أكبر التحولات السكانية خلال العقدين الأخيرين.
وخلصت دراسة نُشرت في المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية إلى أن هاتف آيفون تسبب في ما يصل إلى نصف انخفاض معدل الخصوبة بين عامي 2007 و2011، وكانت التأثيرات الأبرز بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا، حيث كانت هواتف آيفون متوفرة من خلال شبكة اتصالات خلوية أمريكية واحدة، وهي AT&T، لذا قارن الباحثان بين المقاطعات الأمريكية التي كانت تتمتع بتغطية شبه شاملة لشبكة AT&T وتلك التي كانت تغطيتها محدودة أو معدومة خلال تلك السنوات.
ووجدا أن توفر هواتف آيفون يرتبط بانخفاض معدلات المواليد بنسبة تتراوح بين 4.5 و8٪ في الفئة العمرية من 15 إلى 19 عامًا، وبنسبة تتراوح بين 3.2 و6.6٪ في الفئة العمرية من 20 إلى 24 عامًا، كما لوحظت انخفاضات أقل، وإن كانت ذات دلالة إحصائية، بين النساء الأكبر سنًا، وبينما يؤكدون أن أجهزة الآيفون ليست "السبب الوحيد"، إلا أن إدخال الهواتف الذكية "لعب دوراً كبيراً في انخفاض معدلات المواليد في الولايات المتحدة" بعد عام 2007 حيث أنه شكل سلوك الناس من خلال تقليل التواصل الشخصي، بحسب france24.
فما الذي حدث في المقاطعات التي انتشرت فيها هواتف آيفون؟ أوضح البروفيسور مايرز أن إحدى النظريات هي أن الشباب بدأوا بالتواصل الاجتماعي عبر هواتفهم بشكل أكبر وأقل وجهًا لوجه، وبالتالي انخفضت احتمالية ممارستهم للجنس والحمل، وأضاف البروفيسور مايرز أن هواتف آيفون ربما سهّلت الوصول إلى المواد الإباحية، مما دفع الشباب إلى استبدالها بالجنس، أو ربما استخدموها للحصول على معلومات أفضل حول تجنب الحمل، بما في ذلك وسائل منع الحمل والإجهاض، وقال باحثون لم يشاركوا في الدراسة إن النتائج مقنعة.
يرى الباحثون أن إثبات علاقة سببية بين التكنولوجيا والخصوبة أمر بالغ الصعوبة، لأن السنوات الأخيرة شهدت أحداثاً متداخلة كثيرة، من أزمات اقتصادية عالمية إلى تغيّر اجتماعي واسع، لكن الدراسة الأولى، التي أعدّتها الخبيرة الاقتصادية كايتلين مايرز من كلية ميدلبوري، اعتمدت على اختلافات انتشار شبكة AT&T في الولايات المتحدة بين 2007 و2011، لقياس تأثير توفر هاتف آيفون على السلوك الإنجابي في المقاطعات المختلفة.
وبحسب نتائج الدراسة، فإن المقاطعات التي شهدت انتشاراً أكبر لهواتف آيفون سجلت انخفاضاً في معدلات الخصوبة، خاصة بين الفئة العمرية من 15 إلى 24 عاماً، حيث تشير التقديرات إلى أن الهاتف قد يكون مسؤولاً عن جزء كبير من التراجع المسجل في تلك الفترة.
تفسر الدراسة هذا التراجع بعدة آليات محتملة، أبرزها أن الاستخدام المكثف للهواتف الذكية قلّل من التفاعل الاجتماعي المباشر بين الشباب، وهو ما انعكس على العلاقات العاطفية والأنشطة الجنسية، كما تطرح فرضيات أخرى، منها سهولة الوصول إلى المحتوى الرقمي، بما في ذلك المواد الإباحية، أو زيادة الوعي بوسائل منع الحمل والإجهاض عبر الإنترنت، وهو ما قد يكون ساهم في تغيير السلوك الإنجابي، ورغم ذلك، يؤكد الباحثون أن الهواتف الذكية ليست العامل الوحيد، بل جزء من مجموعة عوامل اجتماعية واقتصادية متشابكة.
أما الدراسة الثانية، التي أعدّها باحثان من جامعة سينسيناتي، توسعت في التحليل ليشمل 128 دولة حول العالم، مستخدمة بيانات البنك الدولي حول انتشار الهواتف الذكية ومعدلات الخصوبة لدى المراهقات، حيث أظهرت النتائج نمطاً متشابهاً في دول مختلفة تماماً من حيث الثقافة والاقتصاد والنظم السياسية، مثل إيران والمكسيك وتشيلي وتركيا، حيث تسارع انخفاض معدلات الخصوبة مع انتشار الهواتف الذكية.
كما دعمت الدراسة الفرضية نفسها في الولايات المتحدة من خلال تحليل انتشار الإنترنت عالي السرعة، ووجدت أن المناطق الأكثر اتصالاً شهدت تراجعاً أسرع في معدلات الإنجاب بين المراهقات، وهو ما وصفه الباحثون بأنه "صدمة تكنولوجية عالمية مشتركة".
رغم قوة النتائج، لا يزال عدد من الخبراء متحفظين، بعضهم يشير إلى أن معدلات الخصوبة كانت في انخفاض بالفعل قبل انتشار الهواتف الذكية، خاصة منذ تسعينيات القرن الماضي في فئات عمرية معينة، كما أشار باحثون آخرون إلى أن بعض البيانات قد تعكس أنماطاً اجتماعية أو اقتصادية غير مرتبطة مباشرة بالتكنولوجيا، ما يجعل فرضية “الهاتف سبب رئيسي” بحاجة إلى مزيد من التدقيق.
بعيداً عن الجدل العلمي، تتفق البيانات الدولية على حقيقة واحدة: العالم يشهد انخفاضاً واسعاً في معدلات المواليد، سواء في الدول الغنية أو المتوسطة الدخل، مع استثناءات محدودة في بعض الدول الفقيرة، هذا التراجع يفرض تحديات اقتصادية كبيرة، من شيخوخة السكان إلى تقلص القوى العاملة، ما يدفع حكومات عدة إلى البحث عن حلول عاجلة، دون نتائج حاسمة حتى الآن.
المصدر: رابط الخبر