Physical Address
304 North Cardinal St.
Dorchester Center, MA 02124
Physical Address
304 North Cardinal St.
Dorchester Center, MA 02124
أخبار الحوادث، قصص جرائم حقيقية، وتحليلات من قلب الواقع
أخبار الحوادث، قصص جرائم حقيقية، وتحليلات من قلب الواقع


كان في الجو شيءٌ مقلق… لا يُرى لكنه يُحَسّ.
السماء باهتة كوجهٍ أرهقه السهر،
والريح تضرب الأبواب كأنها تسأل: “هل بقي عندكم شيء؟
والغبار يتكاثف حتى صار للمدينة لونٌ واحد… لون الرماد.
ومن هنا جاء الاسم:
عام الرمادة.
كان ذلك في سنة ثماني عشرة للهجرة،
حين اشتدّ القحط في الحجاز،
وانقطعت الأمطار،
ونفقت المواشي،
وجفّ اللبن في الضرع،
وخفّ الطعام حتى صار التمر يُقسم قِسمًا،
وصار الخبز أمنية لا عادة.
لم تكن مجاعة عابرة…
كانت أزمة تهدّ أركان مجتمعٍ كامل.
المدينة التي تغيّر لونها
تقول الروايات إن لون الناس تغيّر من شدّة الجوع.
ضعف الجسد،
وظهرت آثار القحط على الوجوه.
ولم يكن الأمر محصورًا في المدينة وحدها،
بل جاءت الوفود من البادية والقبائل حولها،
يلتمسون القوت في عاصمة الدولة.
فاجتمع في المدينة ما يقارب الستين ألفًا من المتضررين.
مدينة صغيرة…
تحملت عبء أمة جائعة.
وكان على رأسها رجلٌ اسمه عمر بن الخطاب.
قرار لم يكن سهلًا
أول ما فعله عمر… أنه منع نفسه.
لم يأكل سمنًا،
ولا لحمًا،
ولا لبنًا،
حتى يعود الناس إلى ما كانوا عليه.
ورد في المصادر أنه كان يقول:
“كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يصبني ما أصابهم؟”
فكان طعامه الخبز والزيت.
حتى اسودّ وجهه من كثرة الزيت،
وهزل جسمه،
وقيل إن بطنه كان يُسمع له صوت من الجوع،
فيضع يده عليه ويقول:
“قرقر أو لا تقرقر… فليس لك عندي غيره حتى يشبع أطفال المسلمين.”
لم يكن تمثيلًا سياسيًا.
لم يكن قرارًا دعائيًا.
كان إحساسًا بالمسؤولية.
ليلٌ لا ينام
لم تكن المشكلة في الجوع وحده.
المشكلة في الخوف من سؤالٍ أكبر.
كان عمر يخرج ليلًا،
يتفقد البيوت،
ينظر إلى الأطفال،
يسأل عن المرضى،
يحمل الطعام بنفسه.
وتروي كتب السيرة أنه رأى امرأة توقد نارًا،
وأطفالها حولها يبكون.
سألها: ما هذا؟
قالت: نُسكتهم بالماء حتى يناموا…
لا طعام عندنا.
عاد عمر مسرعًا إلى بيت المال،
حمل الدقيق على كتفه،
وقيل إن خادمه عرض أن يحمله عنه،
فقال عمر:
“أتحمل عني وزري يوم القيامة؟”
حمل الطعام بنفسه.
ونفخ النار بيده حتى نضج الطعام،
وجلس ينظر إلى الأطفال حتى شبعوا.
ثم قام…
ومشى في الظلام.
دولة تبحث عن حلول
لكن عمر لم يكتفِ بالمواساة الفردية.
كتب إلى الأمصار:
إلى مصر،
وإلى الشام،
وإلى العراق.
استنفر الولاة.
طلب الإمدادات.
استجاب عمرو بن العاص في مصر،
فأرسل قوافل من القمح عبر البحر الأحمر.
وجاءت السفن محمّلة بالغلال.
واستجاب معاوية في الشام.
وأُرسلت المساعدات من العراق.
نُظّم توزيع الطعام.
أقيمت المطابخ الجماعية.
سُجّلت أسماء المتضررين.
لم تكن إدارة عشوائية.
كانت أزمة تُدار بدولة مسؤولة.
الاستسقاء… والخوف
خرج عمر بالناس يستسقي.
لم يخرج وحده،
بل قدّم العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه،
وقال:
“اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا، فتسقينا،
وإنا نتوسل إليك بعم نبيّنا، فاسقنا.”
كانت لحظة خضوع جماعي.
مدينة كاملة ترفع يدها.
وبعدها جاء الغيث.
لم ينتهِ الجوع فجأة،
لكن الأزمة بدأت تنكسر.
ما الذي يكشفه عام الرمادة؟
لم يكن عام الرمادة مجرد مجاعة.
كان اختبارًا للحكم.
اختبارًا للعدل.
اختبارًا للمسؤولية.
أثبت أن الدولة لا تُقاس في الرخاء،
بل تُعرف في الشدّة.
وأثبت أن الحاكم ليس من يجلس في القصر،
بل من يسهر إذا نام الناس.
نامت المدينة جائعة…
لكن رأسها لم ينم.
وكان عمر يخاف شيئًا واحدًا أكثر من الجوع:
أن يُسأل يوم القيامة عن تقصيرٍ وهو قادر.
درس لا يشيخ
عام الرمادة لم يُخلّد لأنه عام قحط.
بل لأنه كشف معدن القيادة.
كشف أن العدل لا يظهر في الخطب،
بل في الخبز.
وفي الزيت.
وفي كتفٍ يحمل الدقيق في الظلام.
وحين انتهت الأزمة…
لم يبقَ في ذاكرة التاريخ مشهد المطر،
بل بقي مشهد الرجل الذي قرر أن يجوع…
حتى لا يجوع الناس وحدهم.