Physical Address
304 North Cardinal St.
Dorchester Center, MA 02124
Physical Address
304 North Cardinal St.
Dorchester Center, MA 02124
أخبار الحوادث، قصص جرائم حقيقية، وتحليلات من قلب الواقع
أخبار الحوادث، قصص جرائم حقيقية، وتحليلات من قلب الواقع


لم يكن البحر يومها أزرق.
كان رماديًا ثقيلًا،
كأنه يعرف أن الماء بعد ساعاتٍ سيحمل فوقه شيئًا غير الأمواج.
لم يكن المسلمون أهل بحر.
كانوا أبناء صحراء،
يقرأون الرمل كما يقرأ غيرهم الخرائط.
لكن التاريخ لا ينتظر من يتقن الطريق…
أحيانًا يفرضه.
حين أصبح البحر جبهة
في زمن الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه،
كانت الدولة الإسلامية قد امتدت شرقًا وغربًا.
لكن البحر المتوسط ظل ساحةً رومانية خالصة.
الإمبراطورية البيزنطية، بقوتها البحرية الهائلة،
رأت في توسع المسلمين تهديدًا مباشرًا.
فجهزت أسطولًا ضخمًا — يقال إنه تجاوز خمسمائة سفينة —
تحت قيادة الإمبراطور قنسطانز الثاني نفسه.
كان الهدف واضحًا:
ضرب السواحل الإسلامية…
وإعادة ميزان القوة.
لكن على الجانب الآخر،
كان معاوية بن أبي سفيان — والي الشام — قد بدأ منذ سنوات يبني أسطولًا صغيرًا،
بإذن الخليفة،
وبمساعدة أهل السواحل الذين عرفوا البحر كما يعرف البدو النجوم.
لم يكن الأسطول الإسلامي ضخمًا.
لم يكن مثاليًا.
لكنه كان كافيًا ليقول:
لسنا بلا بحر.
المواجهة
التقت الأساطيل قرب سواحل الأناضول، في موضع عُرف لاحقًا باسم “ذات الصواري”
نسبةً إلى كثرة صواري السفن حتى بدت كغابةٍ فوق الماء.
تقدم الروم بثقةٍ المعتادين على الانتصار في البحر.
وتقدم المسلمون بهدوءٍ لا يعرف الخوف، لكنه يعرف أنه يقاتل في أرضٍ جديدة.
في البداية، دار القتال بالسِّهام والمناوشات.
لكن الرياح لم تكن مواتية.
والأمواج جعلت السفن تتمايل بعنف.
هنا اتخذ المسلمون قرارًا غيّر شكل المعركة.
ربطوا السفن بعضها ببعض…
وحولوها إلى ما يشبه أرضًا ثابتة.
لم يعد البحر بحرًا.
صار ميدانًا.
وقف الرجال فوق الألواح الخشبية
كما يقفون على تراب المعارك.
السيوف خرجت.
والتكبير ارتفع.
واختلط صوت الخشب المتكسر بصوت الحديد.
البحر الذي لم يحتمل
كانت المعركة قاسية.
اشتباك مباشر،
سفن تلتصق،
رجال يعبرون من مركب إلى آخر،
والدم يسيل على ألواحٍ لم تعرفه من قبل.
قيل إن عدد القتلى كان كبيرًا من الطرفين،
وأن الماء احمرّ عند الغروب.
الإمبراطور البيزنطي نفسه كاد يُؤسر.
وانكسرت ثقة الروم في حصانتهم البحرية.
لم يكن انتصارًا عاديًا.
كان كسرًا لاحتكار.
منذ ذلك اليوم،
لم يعد البحر المتوسط حكرًا على قوة واحدة.
ما الذي تغيّر؟
لم تكن ذات الصواري مجرد معركة.
كانت إعلانًا أن المسلمين لم يعودوا قوة برية فقط.
أنهم تعلموا لغة البحر…
وأتقنوا سطرًا جديدًا في كتاب القوة.
فتحت المعركة الباب أمام توسع بحري لاحق،
وأثبتت أن الجرأة المدروسة قد تعادل الخبرة الطويلة.
لم ينتصروا لأنهم أهل بحر.
بل لأنهم قرروا ألا يخافوه.
المشهد الأخير
مع الغروب،
هدأت الأصوات.
سفن محطمة…
صواري مكسورة…
وأمواج تعود إلى إيقاعها كأن شيئًا لم يكن.
لكن البحر يعرف.
الماء لا ينسى.
في ذلك اليوم،
لم تبكِ السفن فقط…
بكى البحر ومن فوقه،
وُلد فصلٌ جديد في تاريخ المنطقة.