طاعون عمواس: حين اجتمع الوباء والقرار… واختُبر الرجال

من دفاتر التاريخ الإسلامي| حكايات ووقائع:

طاعون عمواس: حين اجتمع الوباء والقرار… واختُبر الرجال

لم يكن الناس يومها يعرفون معنى “الجائحة”.
لكنهم عرفوا الخوف.
في سنة ثماني عشرة للهجرة — تقريبًا في نفس زمن عام الرمادة —
انتشر وباء شديد في بلاد الشام،
في منطقة تُسمى عمواس، بين القدس والرملة.
لم يكن طاعونًا عابرًا.
كان موجة موتٍ سريعة.
تذكر المصادر أن آلافًا قضوا فيه،
وقيل إن عدد الضحايا بلغ عشرات الآلاف،
وكان فيهم عدد من كبار الصحابة والقيادات العسكرية.
بلاد الشام كانت آنذاك حديثة الدخول في الدولة الإسلامية،
والجيش فيها مرابط،
والناس بين مقيم ومجاهد.
وفجأة…
صار الموت يطرق الأبواب بلا استئذان.

الخبر الذي وصل إلى المدينة
بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه خبر الوباء.
فخرج متوجهًا نحو الشام حتى بلغ سَرغ،
وهناك استقبله قادة الجيوش.
أخبروه:
إن الطاعون قد انتشر.
كان القرار ثقيلًا.
يدخل؟
أم يعود؟
استشار كبار الصحابة.
اختلفت الآراء.
ثم استشار الأنصار.
ثم شيوخ قريش من المهاجرين.
وبعد مشاورة طويلة…
قرر أن يعود بالناس.
قالوا له:
“أتفرّ من قدر الله؟”
فقال كلمته المشهورة:
“نفرّ من قدر الله إلى قدر الله.”
لم تكن كلمة فلسفية.
كانت فهمًا لمسؤولية بشرية داخل الإيمان بالقضاء والقدر.

قرارٌ لا يقل ألمًا
في الشام…
كان أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه،
أمين هذه الأمة،
قائد الجند هناك.
وصل إليه قرار عمر.
أن من أراد الخروج فليخرج،
ومن بقي فله أجر الصابر.
لكن أبا عبيدة اختار البقاء مع جنده.
لم يكن استهتارًا.
ولم يكن تهوّرًا.
كان شعور قائد لا يريد أن يترك جنوده في المحنة.
أصيب أبو عبيدة بالطاعون…
ثم معاذ بن جبل…
ثم عدد من القادة والوجوه المعروفة.
كان الطاعون لا يفرّق بين قائد وجندي،
ولا بين عالم ومقاتل.

مشهد الصبر
تذكر الروايات أن معاذ بن جبل رضي الله عنه
كان يقول عن الطاعون:
“إنه رحمة ربكم، ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم.”
لم يكن ذلك إنكارًا للألم.
بل تفسيرًا إيمانيًا لما يعجز الإنسان عن دفعه.
وكان الناس يتعاملون مع الوباء بوعيٍ فطري:
لا يدخلون أرضًا فيها الطاعون،
ولا يخرجون منها فرارًا منه —
وهو توجيه ثبت في الحديث الصحيح.
هنا يتضح جانب مهم:
لم يكن الأمر فوضى،
بل كان تعاملًا منضبطًا وفق توجيه نبوي سابق.

دولة لا تتفكك
رغم الخسائر…
لم تنهَر الإدارة.
تولى عمرو بن العاص القيادة بعد اشتداد المرض،
وأمر الناس أن يتفرقوا في الجبال،
حتى لا يتزاحموا في المدن الموبوءة.
وكان هذا الإجراء سببًا — بإذن الله — في انحسار الوباء تدريجيًا.
ثم خفّ الطاعون.
وبقيت الذكرى.

ما الذي كشفه طاعون عمواس؟
كشف أن الإيمان لا يلغي الأخذ بالأسباب.
وكشف أن القيادة لا تُختبر فقط في النصر…
بل في المصيبة.
وكشف أن الاختلاف في الرأي —
حين يكون مبنيًا على مشورة —
لا يفسد الود، ولا يكسِر الصف.
طاعون عمواس لم يكن مجرد وباء.
كان لحظة توازن دقيقة
بين الثقة بالله…
والسعي لحماية الناس.
رحل فيه رجالٌ كبار،
لكن بقيت دروسهم.
بقيت كلمة عمر:
“نفرّ من قدر الله إلى قدر الله.”
وبقيت صورة مجتمعٍ واجه الوباء
بصبر…
ومشاورة…
وتحمّلٍ للمسؤولية.

اترك ردّاً