فتح القدس… يوم دخلها العدل قبل السيوف

من دفاتر التاريخ الإسلامي| حكايات ووقائع:

حين سلّمَت القدس مفاتيحها… وسار الفاروق على التراب

لم تُفتح القدس بصوت السيوف.

فتحتها قدما رجلٍ جاء من الصحراء…
ثوبه مرقّع،
وقلبه ممتلئ بشيء لا يُرى.

كان الطريق طويلاً من المدينة إلى الشام.
لم يكن موكب خليفة…
ولا جيشًا جرارًا…
بل رجلٌ وخادمه… ودابة يتناوبان ركوبها.

يومها… كان الدور على الخادم أن يركب،
ويمشي عمر بن الخطاب على التراب.

قادة الشام ارتبكوا.
قالوا: كيف يراك الناس هكذا؟
قالوا: غير ثوبك… اركب أنت…

فقال كلمته التي بقيت في التاريخ:

“نحن قوم أعزّنا الله بالإسلام،
فإن ابتغينا العزة بغيره أذلّنا الله.”

لم تكن جملة خطابة.
كانت قناعة رجل يعرف من أين جاءت قوته.

المدينة التي انتظرت رجلاً

داخل أسوار القدس…
كان البطريرك صفرونيوس ينتظر.

قيل إنه رفض تسليم المدينة إلا لخليفة المسلمين بنفسه.
لا لقائد… ولا لوالي…
بل للرجل الأول.

وحين دخل عمر المدينة…
لم يدخل فاتحًا متكبرًا،
بل دخل زاهدًا يمشي بين الناس.

لم يُهدم كنيسة،
لم تُمسّ مقدسات،
لم تُرفع راية فوق مكان عبادة.

بل كتب وثيقة…
وثيقة صارت تُعرف بالعهدة العمرية.

عهد أمان…
لأهل المدينة…
لكنائسهم…
وصلبانهم…
وأموالهم.

كانت لحظة نادرة في تاريخ الحروب:
فاتحٌ يمنح الأمان لا الغلبة.

مشهد لا يُنسى

حان وقت الصلاة.

أُدخل عمر إلى كنيسة القيامة.
قالوا: صلِّ هنا.

نظر حوله…
ثم خرج.

صلى على درج الكنيسة خارجها.

ولما سُئل: لِمَ لم تُصلِّ هنا؟
قال:
“لو صليتُ فيها لاتخذها المسلمون مسجدًا من بعدي.”

كان يرى ما بعده.
كان يخشى على الناس من أنفسهم.

لم تكن مجرد مفاتيح

حين سلّمه صفرونيوس المفاتيح…
لم يكن ذلك استسلام مدينة فقط.

كانت لحظة انتقال ميزان في العالم.
القدس، التي تعاقبت عليها إمبراطوريات،
دخلت عهدًا جديدًا…
بلا مجزرة…
بلا انتقام.

فتحٌ بلا دم.

وهذا ما جعل تلك اللحظة خالدة.

لماذا بقيت هذه اللحظة؟

لأن القدس لم تسقط يومها…
الذي سقط هو “منطق الفتح” كما عرفته الدنيا.

الدنيا كانت متعودة على فاتحٍ يدخلها وهو يرفع رأسه للسماء…
ويُطأطئ رؤوس الناس للأرض.
متعودة على الخيل تدوس…
والنار تسبق…
والدم يكتب أول سطر في القصة.

لكن الذي دخل القدس…
دخلها كأنها أمانة، لا غنيمة.
كأنها بيتٌ قديم نُفض عنه الغبار… لا مدينة تُكسر أبوابها.

كان يمكن أن يجعلها يوم زينةٍ للقوة…
أن يمشي بموكبٍ يهز الشوارع،
ورجالٍ حوله كالسور،
ويكتب اسمه على الجدران.

لكنه جاء باسمٍ أكبر منه…
وجاء ومعه شيء لا يُرى…
شيء يجعل الحجر يهدأ،
ويجعل الناس—حتى من خالفوه—يتنفسون مرة واحدة كأنهم نجوا من خطرٍ كان ينتظرهم.

المفاتيح لم تكن معدنًا في يدٍ إلى يد.
كانت امتحانًا للمنتصر:
هل يحوّل الغلبة إلى انتقام؟
أم يحوّلها إلى عدل؟

وفي تلك اللحظة…
اختار العدل.

اختار أن يكون “الفتح” خروجًا من خوفٍ قديم، لا دخولًا في خوفٍ جديد.
اختار أن يربح المدينة…
دون أن يخسر إنسانيتها.

ولذلك بقيت هذه اللحظة…
لأن التاريخ عادةً يكتب الفتوحات بالسيوف،
وهذه كُتبت بشيء أصعب من السيف:

كُتبت بالنفس… حين يقدر الإنسان أن يملك نفسه وهو قادر.

كُتبت بميزانٍ لا يميل مع القوة،
ولا يتثاقل مع الغلبة،
ولا ينسى أن الناس—أيًّا كانوا—لا يعيشون إلا إذا أمنوا.

ومن يومها…
صارت القدس تعرف أن هناك فتحًا يمكن أن يحدث…
من غير أن تُطفأ شمعة واحدة في بيتٍ مُطمئن.

اترك ردّاً