من دفاتر التاريخ الإسلامي.. حكايات ووقائع:

الحادثة التي غيّرت وجه التاريخ… والفجر الأخير للفاروق

لم يكن ذلك الفجر مختلفًا في ظاهره عن غيره.

المدينة ما زالت تغطّ في سكونها،
والهواء يسبق الضوء بخطوات قليلة،
والمسجد ينتظر صلاة جديدة من أيام الدولة التي اتسعت حدودها شرقًا وغربًا.

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه — الذي لُقِّب بالفاروق — يعيش كعادته حياةً لا تشبه حياة الحكام.
بيته بسيط، طعامه قليل، وثوبه لا يميّزه عن عامة الناس.
ورغم اتساع الدولة الإسلامية في عهده، ظلّ يمشي في الأسواق دون حرس يحيط به.

لكن تحت هذا الاستقرار الظاهر، كانت الأمة تمر بمرحلة توسّع كبيرة،
ودخل في نسيجها شعوب متعددة، بثقافات وخلفيات مختلفة،
وكانت المدينة نفسها تستقبل وجوهًا جديدة كل يوم.

قبيل الفجر

تذكر المصادر التاريخية — ومن أبرزها روايات في كتب الطبقات والتاريخ — أن الفاروق كان حريصًا على إمامة الناس بنفسه في صلاة الفجر.

وفي تلك الأيام، وردت إشارات إلى شكوى تقدّم بها أحد الموالي، يُعرف في كتب السيرة باسم “أبو لؤلؤة”،
وكان يعمل في المدينة.

اختلف المؤرخون في تفاصيل تلك الشكوى ودوافعها،
لكن الثابت أن توترًا شخصيًا كان قد نشأ بينه وبين عمر رضي الله عنه.

لم يكن أحد يتوقع أن يتحوّل ذلك التوتر إلى لحظة فاصلة في التاريخ.

لحظة في المحراب

وقف عمر رضي الله عنه يصلي بالناس.

كبر تكبيرة الإحرام.

وفي لحظات خاطفة، وقعت الحادثة التي سُجّلت في كتب التاريخ.

قام أبو لؤلؤة بطعنه بخنجر كان يحمله،
ثم حاول الاعتداء على عدد من المصلين أثناء محاولته الفرار،
قبل أن يُقبض عليه وينتهي أمره.

الحدث كان صادمًا.

ليس لأنه استهدف رجلًا عاديًا،
بل لأنه استهدف رأس الدولة،
في مسجدها،
وفي صلاة الفجر.

بين الألم والثبات

تذكر الروايات أن عمر رضي الله عنه، رغم إصابته،
سأل أول ما سأل:
“أصلّى الناس؟”

ثم أوصى بأن يُقدَّم عبد الرحمن بن عوف لإكمال الصلاة.

كان المشهد إنسانيًا بقدر ما كان تاريخيًا.
زعيم أمة مترامية الأطراف،
يسأل عن الصلاة قبل أن يسأل عن نفسه.

وقد مكث أيامًا بعد الحادثة متأثرًا بإصابته،
وكان خلالها يسأل عن حال المسلمين،
ويستشير الصحابة في أمر الخلافة من بعده.

مجلس الشورى

من أكثر ما يلفت النظر في تلك الأيام،
أن عمر رضي الله عنه لم يُورِّث الحكم،
ولم يفرض اسمًا بعينه.

بل حصر الأمر في ستة من كبار الصحابة،
وأوصى أن يتم الاختيار بينهم بالشورى.

ذلك القرار السياسي كان في ذاته نقطة تحوّل،
وأثر لاحقًا في شكل إدارة الدولة الإسلامية.

الفجر الذي غيّر وجه التاريخ

لم يكن الأمر مجرد حادثة فردية.

بوفاة الفاروق رضي الله عنه،
انتقلت الدولة الإسلامية إلى مرحلة جديدة.

في عهده، تم تنظيم الدواوين،
وتثبيت القضاء،
وتحديد التقويم الهجري،
وتوسعت الدولة توسعًا كبيرًا.

كان حضوره قويًا في البناء الداخلي للدولة،
وكان غيابه بداية تحولات عميقة في المشهد السياسي.

قراءة هادئة للحدث

اختلف المؤرخون في تحليل الدوافع الكاملة للحادثة:
هل كانت شخصية؟
أم ذات أبعاد أوسع؟
أم مرتبطة بتحولات كبرى في ذلك الزمن؟

لكن المتفق عليه أن تلك اللحظة في المسجد النبوي
كانت واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في التاريخ الإسلامي المبكر.

ليست لأنها حادثة عنف فحسب،
بل لأنها أنهت عهدًا كاملًا،
وفتحت بابًا لمرحلة جديدة من الأحداث.

ما الذي يبقى؟

يبقى اسمٌ إذا ذُكر اقترن بالعدل.

يبقى رجلٌ لم تُغيّره السلطة،
ولم تُبدّل قلبه الفتوحات،
ولم ينسَ وهو يحكم أمةً تمتد من فارس إلى مصر
أنه مسؤول أمام الله قبل أن يكون أميرًا على الناس.

يبقى الفاروق الذي فرّق الله به بين الحق والباطل،
فإذا اشتدّ كان شدته رحمةً بالعدل،
وإذا لان كان لينه عدلًا بالرحمة.

يبقى ذلك الحاكم الذي كان يخشى أن يُسأل عن شاةٍ عثرت في العراق،
فكيف بأمةٍ كاملة بين يديه؟

وحين جاء فجره الأخير،
لم يسأل عن مُلكٍ يضيع،
ولا عن سلطانٍ ينتهي،
بل سأل:
«أصلّى الناس؟»

هناك…
لم تكن الحادثة مجرد طعنة في جسد رجل،
بل كانت انتقالًا لمرحلةٍ كاملة من تاريخ الأمة.

رحل عمر رضي الله عنه،
لكن العدل الذي أقامه بقي معيارًا،
والشورى التي رسّخها بقيت مبدأ،
والخوف من الله الذي ملأ قلبه
صار سيرة تُروى لا سلطة تُورث.

وهكذا،
لا تُقاس العظمة بطول الأعمار،
بل بعمق الأثر.

والفاروق…
كان أثرًا يمشي على الأرض.

اترك ردّاً