دخل السينما… ولم يصل البيت

دخل السينما… ولم يصل البيت

ما حدش خد باله.
ولا حتى هو نفسه.
كان داخل السينما زي أي واحد داخل يزوّغ من يومه،
حاسس بتقل في رجليه،
وملله سابقه بخطوتين.
قطع التذكرة،
عدّى من قدّام الموظف اللي ما بيرفعش عينه،
وقعد في آخر الصف،
الكرسي اللي دايمًا بيختاره عشان ما حدش يشوفه.
الفيلم ابتدى.
النور طفى.
والراجل…
ما خرجش.

ما كانش بطل.
ولا مغامر.
ولا حد مستنيّه برّه السينما.
راجل عادي.
شغل عادي.
بيت عادي.
حتى هدومه كانت عادية زيادة عن اللزوم.
معطف غامق،
حذاء ملموم،
وشنطة صغيرة فيها ورق شغل
اتعود يشيلها معاه حتى في خروجاته.
الناس اللي عرفته بعدين قالت:
“ده ما كانش بتاع مشاكل.”
ودي دايمًا أكتر جملة
بتتقال عن ناس
بتختفي.

الفيلم خلص.
النور ولّع فجأة
زي ما بيعمل دايمًا
من غير تمهيد.
الناس قامت مرة واحدة،
كرسي بيخبط في كرسي،
صوت خطوات مستعجلة،
حد بيضحك،
وحد بيشتم الفيلم.
في الزحمة دي،
شافوه.
واحد قال إنه شافه واقف
بيعدّل في ياقة المعطف
وبيدوّر بعينه
كأنه ناسي حاجة.
واحد تاني قال:
“لا… ده خرج بدري بخطوتين.”
وواحد تالت قال:
“كان واقف عند الباب،
وبعدين…
مشي.”
ثلاث روايات،
ولا واحدة فيهم غلط،
ولا واحدة فيهم كاملة.

برّه السينما،
الشارع كان صاحي.
ميكروباصات،
صوت كلاكس،
باعة بيقفلوا،
وناس طالعة من سينما تانية.
شارع ما ينفعش حد يختفي فيه.
مش فجأة.
مش من غير ما حد يشوف.
بس الليلة دي
عملت اللي ما بيتعملش.
الراجل خرج…
وما وصلش.

الساعة عدّت عشرة.
وبعدين حداشر.
وبعدين نص الليل.
الباب ما اتفتحش.
والتليفون الأرضي ساكت.
مراته قعدت على الكرسي
جنب الشباك
زي ما بتقعد لما تقلق
بس لسه مش عايزة تعترف.
قالت:
“يمكن الفيلم طول.”
وبعد شوية:
“يمكن قابل حد.”
ولما الفجر قرب:
ما قالتش حاجة.

البلاغ اتعمل.
والتحقيق ابتدى.
أسئلة كتير،
وإجابات أقل.
– كان متخانق مع حد؟
– لأ.
– عليه فلوس؟
– لأ.
– كان ناوي يسافر؟
– لأ.
حتى الشنطة
اللي دايمًا معاه
اختفت معاه.
ولا اتلقت في الشارع،
ولا في السينما،
ولا في أي مكان.
كأن الراجل
شال حياته كلها في إيده
ومشي.

قالوا:
– يمكن هرب.
طب هرب ليه؟
– يمكن اتخطف.
طب فين الأثر؟
– يمكن مات.
فين الجثة؟
كل نظرية كانت بتقف
قصاد سؤال
ما لوش إجابة.

بعد شهور،
وبعدين سنين،
القضية اتحطت في درج.
مش اتحلّت.
اتقفلت.
مكتوب جنب الاسم:
مفقود.
كلمة قصيرة
تشيل جواها
فراغ كبير.

السينما فضلت فاتحة.
والأفلام اتغيّرت.
والناس دخلت وخرجت.
وكل مرة
باب القاعة يقفل في آخر عرض،
وفي واحد يطلع لوحده،
ويمشي وسط الزحمة،
في حد
من غير ما يحس
بيبص حواليه
ويفكر:
هو راح فين؟
ولا الأصح…
إزاي واحد يمشي
من غير ما يسيب
ولا علامة؟

القصة دي
ما لهاش نهاية.
لأن الراجل
ما رجعش.
بس الحكاية
فضلت.
فضلت تقول بهدوء مخيف
إن في مدن
ممكن تبلع ناسها
من غير صوت،
ومن غير أثر،
ومن غير حتى
ما تحس بالذنب.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *